حسن ابراهيم حسن

474

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

قد سكرت أبصارهم « 1 » ، حتى وصلوا إلى باب الأقباء ، أو باب قصر الزهراء ، فتراجل جميع من كان خرج إلى لقائه ، وتقدم الملك أردون وخاصة قوامسه على دوابهم حتى انتهوا إلى باب السدة ، فأمر القوامس بالترجل هنالك والمشي على الأقدام ، فترجلوا ، ودخل الملك أردون وجده راكبا مع محمد بن طملس ، فأنزل في برطل « 2 » البهو الأوسط من الأبهاء القلبية التي بدار الجند ، على كرسي مرتفع مكسو الأوصال « 3 » بالفضة ، وفي هذا المكان بعينه نزل قبله عدوه ومناوئه شانجه بن ردمير الوافد على الناصر لدين اللّه رحمه اللّه تعالى . فقعد أردون على الكرسي ، وقعد أصحابه بين يديه ، وخرج الإذن لأردون الملك من المستنصر باللّه بالدخول عليه ، فتقدم يمشى وأصحابه يتبعونه إلى أن وصل السطح . فلما قابل المجلس الشرقي الذي فيه المستنصر باللّه ، وقف وكشف رأسه وخلع برنسه ، وبقي حاسرا إعظاما لما كان له من الدنو إلى السرير ، واستنهض ، فمضى بين الصفين المرتبين في ساحة السطح إلى أن قطع السطح وانتهى إلى باب البهو . فلما قابل السرير خر ساجدا سويعة ، ثم استوى قائما . ثم نهض خطوات ، وعاد إلى السجود ووالى ذلك مرارا إلى أن قدم بين يدي الخليفة ، وأهوى إلى يده ، فناوله إياها ، وكر راجعا متقهقرا على عقبه ، إلى وساد ديباج مثقل بالذهب ، جعل له هنالك ، ووضع على قدر عشرة أذرع من السرير . فجلس عليه ؛ والبهر قد علاه ؛ وأنهض خلفه من استدنى من قواسمه وأتباعه ؛ فدنوا ممتثلين فعله في تكرير الخنوع . وناولهم الخليفة يده ؛ فقبلوها وانصرفوا متقهقرين ؛ فوقفوا على رأس ملكهم ، ووصل بوصولهم وليد بن حيزون قاضى النصارى بقرطبة ، فكان الترجمان عن الملك أردون ذلك اليوم ، وأطرق الخليفة الحكم عن تكليم الملك أردون إثر قعوده أمامه وقتا ريثما يفرخ روعه ( يطمئن ) . فلما رأى أن قد خفض عليه ( اطمأن في المجلس ) افتتح تكليمه . . . فكرر أردون الخضوع ، وأسهب في الشكر ، وقام للانصراف مقهقرا ، لا يولى الخليفة

--> ( 1 ) أي أصبحوا كالسكارى لا يستطيعون فتح عيونهم لروعة ما رأوا . ( 2 ) البرطل بفتح الباء والطاء . المظلة الضيقة . ( 3 ) الأجزاء أي إنه مغشى عند اتصال أجزائه بالفضة